حوار خاص | حيدر العبادي - رئيس الوزراء العراقي | 2018-05-09
- May 10, 2018
- 21 min read
تقديم: مجموعة من مقدمي قناة الميادين إعداد: مجموعة من المعدين في قناة الميادين
- سلام الله عليكم مشاهدينا من هنا من العاصمة العراقية بغداد. يوسَم عهده بعهد الإنتصارات ولذلك ربّما اختار السيّد رئيس مجلس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي كلمة النصر لتكون العنوان لقائمته الإنتخابية.
يُسجَّل لحكومته أنها أنجزت الحرب على الإرهاب ونجحت في احتواء تداعيات الإستفتاء في كردستان العراق وحمَت وحدة تراب البلاد، كما يُحسَب لها إنتهاج سياسةٍ خارجيةٍ أكثر انفتاحاً في الإقليم وعلى المستوى الدولي.
وإن كانت غالبية النخبة السياسية العراقية تقرّ بهذا لحكومة السيّد العبادي إلا أنها تجدها ربّما لم تُوفَّق في تقديم منجزٍ على صعيد الخدمات الأساسية للمواطن العراقي أو شنّ حربٍ ناجحةٍ على الفساد الذي أصبح يشكّل عبءاً ثقيلاً على كاهل الدولة والمجتمع.
وتبقى كلمة التغيير هي مفتاح المرحلة المقبلة وهي القاسم المشترك بين غالبية الساسة وكل الشارع العراقي.
نستضيف في هذا الحوار الخاص مشاهدينا الدكتور حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء العراقي.
دكتور حيّاك الله.
حيدر العبادي: حيّاكم الله ومشاهديكم الكرام.
كمال خلف: حيّاك الله. دكتور اسمح لنا أن نبدأ مباشرةً بتجربة السنوات الأربع الماضية، كيف تقيّم تجربة حكومة حضرتك خلال الأربع سنوات الماضية وهل تعتقد أن هذه الحكومة يجب أن تستمر؟
حيدر العبادي: بسم الله الرحمن الرحيم. أنا أقول المنهج يجب أن يستمر. تعرفون نحن استلمنا بلد شبه ضائع، داعش على أبواب بغداد، داعش أسقطت عدّة محافظات وعدّة مدن، هجّرت ملايين المواطنين العراقيين من مدنهم وأصبحوا لاجئين في بلدهم، قتلت الآلاف الآخرين في مذابح ومجازر، داعش سببت حالة رعب ليس فقط في العراق، على مستوى المنطقة وعلى مستوى العالم، حالة منظّمة إرهابية، تنظيم عالي وتدريب عالي وتستعمل الرعب والبطش بأبشع صوره بشكل مبرمج وبشكل مدروس حتى تبعث الرعب في قلوب الآخرين، لهذا لم تكن بحاجة الى عناصر كثيرة لأن هذا الرعب كفيل بأن يُسقط أمامها أي مقاومة وأي معارضة، وهذه كانت خطورة باعتبار أنه حصل إنهيار في العراق، كنّا كل يوم نصحى على ضياع مدينة جديدة، محافظة جديدة، حتى الإنهيارات في القوات الأمنية، تعرفون شرطة محلية في الموصل عددها ٣٢ ألف انهار ثلثاها ، شرطة الأنبار بحدود ٢٨ ألف انهار ثلثاها، شرطة صلاح الدين، ديالى، إلا القليل الذي بقي، أربع فرق عسكرية من الجيش انهارت بالكامل بالإضافة الى فرقتين من الشرطة الإتّحادية بالإضافة الى الشرطة المحلية كما ذكرت.
إذاً كان هناك نوع من الإنهيار والإنكسار. قضية الإنكسار قضية نفسية لها عوامل خارجية ولكن أثرها النفسي، ولهذا قال الكثير أنه لا يمكن أحد أن يقود البلاد الى ساحل الأمان لأن العراق انتهى، اعتبروا أن العراق انكسر وانتهى وربّما يحتاج الى جيل لينهض من جديد.
الحمد لله تمكّنا أن نُعيد هذا الإنتصار خلال ثلاث سنوات، أعلنّي في ٢٠١٤ عزمنا على تحرير أرضنا وطرحنا شعار القضاء على داعش وليس احتواء داعش، العالم كان يتحدّث عن إحتواء داعش باعتبار أنهم يعتبرون أن القضاء على داعش مستحيل، العراق يعتبرونه من الخسائر، والمدن العراقية التي سقطت انتهت ولا يمكن أن تعود، وصوّروا العراق على الخارطة أنه يحترق.
كمال خلف: كانت تقديرات عشر سنوات تقريباً.
حيدر العبادي: بالتأكيد، ومرّةً تكلّم الرئيس أوباما بثلاثين سنة، وتكلّم عن حركة جديدة تتوسّع في هذه المنطقة من العالم وستُنشئ شيء اسمه الخلافة الإسلامية والخلافة الإسلامية منهم براء، يستخدمون البطش والقتل بأبشع الصور، وبالتالي تعرف حتى جيوش المنطقة لم تكن مهيّأة لمواجهتهم. أنا كنت أقول حتى جيوش المنطقة لن تستطيع أن تقف في وجه هذا الإرهاب وإنّما يحتاج الى إرادة من نوع آخر.
الحمد لله صارت هذه الإرادة العراقية، كانت تحتاج لتنظيم، نحن لم نخلِق إنسان عراقي جديد، نفس الجندي العراقي، نفس المقاتل العراقي، نفس الشرطي العراقي لكن تمّ تحديد الأولويات من جديد. الإنسان المقاتل حين يرى أنه لا يوجد إنصاف ولا عدل، حين يرى أن هناك فساد يسلب قوّته أو يأخذ راتب من دون أن يقاتل، هذا سيقلل من فعاليّته للقتال. الحمد لله وقفنا معه، كنّا نحضر الى الخطوط الأمامية في القتالي مع الجندي المقاتل، هذا كان عامل دافع كبير للجندي.
حصلت عندنا توجيهات للآمرين والى قيادات الفرق أن يكونوا مع جنودهم في الميدان وكانوا، تراجع عدد القيادات والآمرين الذين أصبحوا شهداء في معاركهم مع داعش، عدد كبير، أنا بنفسي زرت وحضرت تشييع عديد من هؤلاء القادة، في المرحلة الثانية في الحرب وجّهت إرشادات للقادة أن يكونوا حذرين في الخروج لأن داعش أصبحت تقصدهم وتعرف أن هذا قائد وتتقصّد إغتياله من بعيد بقنّاص، وبالتالي للحفاظ على قياداتنا العسكرية اتّجهنا اتّجاه آخر حيث أصبحت القيادات تنزل من الجندي والمقاتل، حتى على مستوى الأكل وجّهت بأن يكون أكل الجندي كأكل الضابط، من جانب التراتبية العسكرية مطلوب أن يكون قائد وأن يكون أقلّ منه رتبة، أما في الجانب الإنساني يُفترَض أن يكونا متساويين، نفس الطعام ونفس الإهتمام، الجندي يحتاج راحة كما يحتاج الضابط ويحتاج طعام وإهتمام كما يحتاج غيره.
هذا كله غيّرناه، في القضاء على أجزاء كبيرة كم الفساد والقضاء على نوع من عدم العدالة.
كمال خلف: هذا على مستوى الجيش.
حيدر العبادي: في الجيش وحتى الشرطة. حصل هناك تغيير كبير.
الأمر الآخر الذي أضفناه هو طريقة تعامل رجل الأمن مع المواطنين، رجل الأمن عنده سلاح يواجه مواطن قد يشعر بالتهديد وهذا كلّفنا الكثير، أن تتعامل مع مواطن بطريقة البطش أو بطريقة غير حيادية، لا يجوز أن أميّز بين مواطن وآخر على الإنتماء الطائفي أو الإنتماء القومي أو أي إنتماء آخر.
تعرفون بعض المناطق أصبحت ترفض جيشنا، وسمّته مختلف التسميات ووصفته بمختلف الأوصاف، كانت تسمية ووصف ظالم لا يجوز أن توصَف منظومة كاملة بما فعله البعض منها، البعض الذي ارتكب ربّما أعمال غير صحيحة.
نحن الحمد لله أعدنا وبدأنا نحاسب وكنّا نقّف القيادات والجنود أن يتعاملوا مع المواطنين على أنهم مواطنين ولا يجوز أن يميّز.
كمال خلف: دكتور كنتَ تتابع هذه التفاصيل أثناء المعارك؟
حيدر العبادي: بتفصيل دقيق، لأنه حادثة واحدة تُحدث إنقلاب. بصراحة أنا لا أستطيع أن أتابع كل حالات التجاوز ويستحيل لكن هناك حالات تصلني بتفاصيلها أُعاقب بشدّة عليها وأحاسب بشدّة. أُرسلَت رسالة بأن هذه الحكومة لا ترضى للتمييز، لا ترضى التجاوزات على المواطن، انتقلنا من مواطن يرفض الجيش والقوات الأمنية الى المواطنين حين يسمعون فقط أنها تحرّكت قطاعات من هذه المنطقة يرسلون لي رسائل ألا تحرّك لأن الجيش يحمينا وهذا أصبح جيش وطني يدافع عن العراق.
هذه غيّرت كل الخارطة في مسألة منظومة القتال. تعرف سلاحنا لم يزدد عن السابق بل سلاحنا قلّ، الجيش والمنظومة الأمنية كان عندها سلاح كبير لكن داعش حين أسقطت مدن جزء من السلاح أخذته داعش ولم تستطع قوّاتنا، فرق كاملة تنهار وتنهار أسلحتها، الجنود كانوا يهربون، وداعش سيطرت على دبابات ومدرّعات بأعداد كبيرة، وأيضاً أخذت منظومات صواريخ. نعم، ربّما لم تُحسن إستخدامها بشكل صحيح، ولاحقاً كانت علينا مسؤولية أن ندمّرها حتى لا يستفيد منها العدو. هذا كله غيّر موازين القتال وموازين جانب النفسي وهذا المهم.
لهذا في فترة قياسية حين أعلنت الإنتصار على داعش في ٢٠١٧ بعض العواصم الغربية اتّصلوا بسفاراتهم يسألون هذا صحيح؟ أيُعقَل قوّات عراقية وصلت وضبطت الحدود العراقية السورية بهذه السرعة؟ هذا شبه مستحيل، لم يصدّقوا. حضر بعض الوزراء وأكّدوا هذا الأمر أن هذا اسمه المعجزة العراقية وحققناه ولم نستورده من الخارج، لم نستورد مقاتلين، نعم، منظومة الحشد الشعبي أُضيفَت وهذه ميزة وإضافة. لهذا كنت أُصرّ أن يقاتل الحشد الشعبي مع الجيش ومع الشرطة لسبب بسيط، تعرفون الحشد الشعبي عناصر متطوّعين لم يتخرّجوا من أكاديميات ليتعلّم النظام والقانون وكيف يتعامل والإنضباط في المنظومة، جاء متطوّع، ربّما حصّل تدريب بسيط على السلاح ونزل للمعركة، الذي يحرّكه حماسه واستعداده للإستشهاد، استعداده للدفاع عن الوطن، عن الكرامات، عن المقدّسات، ولهذا حقق نصر. أردتُ أن ينتقل هذا للجيش النظامي، الإستعداد للتضحية والفداء.
كمال خلف: دولة الرئيس أكيد يُحسَب لحكومتكم الإنتصار وربّما هذا لا يتعلّق بانتخابات أو مرحلة آنية، ربّما هذا سيدخل تاريخ العراق المعاصر حالياً، هذا العام وهذه المحنة التي مرّت بها العراق. لكن أيضاً بالمقابل هل ما جرى هو تبرير لعدم إستطاعة الحكومة معالجة ملفّات أخرى على صعيد الداخل أم لديكم رأى آخر، أرقام معيّن أنجزتموها على صعيد الأمور الخدماتية والحياتية؟
حيدر العبادي: ليست تبرير أكيد، وإنّما هذا واقع نعيشه. نحن حين وصلنا الى رئاسة مجلس الوزراء قدّمنا وعدين، الوعد الأول هو القضاء على داعش والثاني الحفاظ على وحدة العراق، لأنه كان في ذلك الوقت، هذا قبل استفتاء كردستان في العام الماضي، في ذلك الوقت كان العراق مجزّأ أمر واقع، جزء كبير من العراق احتلّته داعش، وكردستان انفصلت واقعاً عن العراق أي أصبح بيننا وبين كردستان داعش، داعش احتلت صلاح الدين، احتلت ديالى واحتلت أجزاء من كركوك أي الحويجة، بالإتّصال، يعني أصبح لا يمكنك أن ترحل في البر الى كردستان، بعد فترة قمنا بتطهير الأراضي وفتحنا طريق، أصبح الطريق يتعرّض للهجومات الى أن أمّنا الوضع بالكامل.
فأمر واقع كان العراق مقسّم، أعدنا توحيد البلاد من جديد بوضع أقوى من السابق، حتى مع كردستان العراق الذي على أثر الإستفتاء لم نلجأ الى قتال ولا الى سفك الدماء وإنّما لجأنا الى نوع من الإدارة السياسية والإدارة الأمنية والعسكرية بأن نمنع الإقتتال بين الأخوة. أنا أعرف فقط لو انزلقنا نحو القتال كأنّك تفرض أن يكون هناك تقسيم البلد، كيف تتعايش ن حصل سفكر دماء؟ كان حرصي الأول ألا يكون هناك سفك دماء وأن نعمل هذا بشكل صحيح والحمد لله نجحنا بذلك بكسب مواطنينا وحتى كسب البيشمركة لصالحنا. البيشمركة وجّهت لهم كلام متواصل لأيام وكنت أخاطبهم بشكل مباشر، استمعوا لنا ولم يستمعوا لقياداتهم، لم يقاتلوا، قياداتهم للأسف كانت تدعوهم لمقاتلة الجيش العراقي ولم يقاتلوا، أي لم يروا أن هناك هدف من قتال أبناء الوطن وخصوصاً بالموصل أصرّينا أن يعملوا معاً، البيشمركة والجيش العراقي عملوا معاً واشتركوا في حروبهم وفي طعامهم أيضاً في جزء من الموصل في تخومها وليس خارجها.
بالتأكيد أمر آخر لم يكن في حسباننا وهو انهيار أسعار النفط. بمجرّد أن استلمت رئاسة الوزراء بدأت أسعار النفط بالإنهيار، لا علاقة لهذا بنا ولا بداعش، طلب عالمي وحصل تراجع في إقتصاديات بعض العالم قلّ الطلب على النفط، كان هناك زيادة في إنتاج النفط عند بعض الدول وحصل نوع من إغراق السوق وحصل إنهيار، كان إنهيار مهول. برميل النفط في بداية صيف عام ٢٠١٤ كان يُباع ب١٠٥ دولار، في ٢٠١٥ نزل الى ٢٢ دولار للبرميل، إذاً تأخذ في الحساب أن كلفة إنتاج برميل النفط ٩.٧ دولار يعني بقي من البرميل ١٣ دولار حتى نموّل كل موازنتنا، موازنة حرب هائلة خصوصاً فيما يتعلّق بالذخيرة، ما خسرناه من سلاح في هجوم داعش، عندك إدامة الخدمات ودفع الرواتب للموظّفين، حيث أن جزء كبير من موازنتنا رواتب من السابق، وفي بلد يعتمد على النفط بنسبة ٩٣٪ منذ أيام الحكم السابق لنظام البعث وحتى في العهد الجديد، ما لم يستطع كل الحكومات المتعاقبة أن تقلل الإعتماد على النفط. ينزل هذا بشكل كبير وأنت تدير حرب وتدير بلد.
الحمد لله لم نسبّب تضخّم وارتفاع أسعار، سيطرنا، لأن كان همّنا الطبقات محدودة الدخل أي الطبقات الفقيرة ألا تتضرر. نعم، كان عندي خيار أن أعوّم الإدارة العراقية، نطبع دنانير تفقد قيمتها أستطيع أن أصرف وأكسب الناس وأكسب جمهور باعتبار أعطي رواتب عالية ولكن دمّرت الإقتصاد وحياة الناس لأن الأسعار سترتفع بشكل كبير وهذا قامت به الدول المجاورة للعراق، دول كان اقتصادها أفضل منّا وأقلّ إعتماداً على النفط ولكن قامت بذلك ويوجد إنهيار الآن في إقتصاديات هذه الدول. نحن الحمد لله لا زال إقتصادنا قوي رغم انهيار هائل في أسعار النفط، حافظنا عل الخدمات الأساسية ولم تتراجع، لم نترك الخدمات تتراجع، أما دعم المزارعين استمرّينا به لأن الزراعة أساسية في البلد، شبكة الحماية الإجتماعية وهي للفقراء زوّدنا التخصيصات بدل أن نقللها، توجّهنا باتّجاه آخر. نعم، تسأني عن إنتاج الكهرباء كان ١٠٠٠ ميغاوات قبل أربع سنوات الآن ١٧ ألف ميغاوات وهذه زيادة هائلة في إنتاج الكهرباء لأننا نعلم أنه لا يمكن أن تستقيم حياة المواطنين دون كهرباء، حتى إنتاجهم ممكن أن يستفيد.
انظر الى السوق العراقي اليوم تجد الكثير من المنتجات مصنوعة مكتوب عليها صُنع في العراق، وهذه جديدة، بدأنا نغيّر اتّجاه ومنحى الإقتصاد. نعم، ربّما التوقّع للخدمات كان كبير لكن بسبب الحرب إنهيار أسعار النفط، الدولة تعتمد على النفط ٩٣٪ من موازنتها، أتصوّر أنه كان إنجاز بحدّ ذاته، كان ممكن أن ينهار البلد، كانوا يتوقّعون أن ينهار البلد ولكن الحمد لله صار أفضل.
كمال خلف: دولة الرئيس عندما نسأل في الشارع العراقي، أنا زرت بغداد ربّما ثلاث مرات خلال السنوات ال١٥ الماضية، تسأل الشارع العراقي عن حيدر العبادي ما رأيك به؟ فيُجيبون إجابة مختصرة أن الدكتور حيدر العبادي رجل أرقام، هذه الصفة هل تراها نقطة قوّة لك في الشارع أم أن في مجتمع عاطفي يهمّه، دائماً المجتمعات العربية عموماً وليس فقط العراقي، يهمّها أن ترى المنجز لا أن تدخل في التفاصيل والأرقام، هذه نقطة قوة أو ضعف أنك رجل أرقام؟
حيدر العبادي: نقطة ضعف إن كانت لوحدها رلكنها نقطة قوّة إذا أُضيفَت لخصائص أخرى، أن تكون مع الناس وتتواضع للناس وأن تنزل للشارع رغم التحذيرات الأمنية الكبيرة كما تعلم. كانت قيادات عسكرية، أصدرتُ أوامر لقوات مسلّحة أن أتقدّم منعوني أن سيّدي هذا خطر الآن، رغم أنني قدمت وأنا لستُ مقاتلاً، لكن أنا قائد للمقاتلين إن لم أكن معهم كيف يقاتلون؟ كيف يعتبرونني أساندهم وأنا لستُ معهم؟ نعم، هناك خطورة، عليّ خطورة في بغداد، خطورة في أي مكان أسعى به ممكن أن يهاجمني العدو، في النهاية الحياة والموت ليست في يدنا إنّما في يد ربّ العباد.
أنا ذهبت الى مواطنين كانت هاونات تسقط فوق رؤوسنا لكن في الوقت نفسه لستُ متهوّراً، أي أذهب بحذر أو أذهب بشكل مخفي، نعم ألتقي بالجنود لكن بسرعة لأنني لا أريد للعدو أن ينتبه فعنده مجسّات وقنّاصين من مسافات بعيدة، لكن هذا لم يمنعنا فنزلنا الى المقاتلين. كثير من المقاتلين يعرفونني، ألتقي بهم يحملون صور أيّام كنتُ في الجبهة تصوّروا معي.
تعاملي مع الناس، للأسف كثير من القادة في العالم ينظرون لإستراتيجيات وينسون التفاصيل، أنا لا أقول تنشغل بكل التفاصيل والأرقام، يجب أن تهتمّ ببعض التفاصيل التي هي أساسية في إنجاز المشروع ولو لم أنزل للتفاصيل لما حققنا نصر.
في مراحل من القتال نزلت لتفاصيل (الشفظ) العسكري أبحث عنه بنفسي لأن المنظومة العسكرية شبه انهارت في بعض المناطق، هذا يحتاج (لشفظ) عسكري كي يقوم بساتر، لا (شفظ) عنده، فكنّا نبحث عن (شفظ) في منطقة أخرى وأستخدم صلاحيتي كقائد عام أنقلها من منطقة الى منطقة حتى نوفّره له كي يقوم بساتر لتستطيع قوّاته أن تتحرّك، لأنه إذا لم يتوفّر له هذا الأمر التفصيلي لن يستطيع لأن منظومته الهندسية انهارت وهو مقاتل. كنتُ أدخل لأعرف أين المشكلة، لا أستطيع فقط في مرحلة معيّنة، وحتى في الإستثمار والإعمار، الآن أنفاقنا على الخدمات أقلّ بكثير مما كان سابقاً بسبب قلّة الإيرادات، لكن هل مستوى الخدمات قلّت عن السابق؟ لا، لم تقلّ، لا زلنا في مشاريع إعمار وبناء بأموال أقلّ لأننا نسيطر على المال. الآن مجلس الوزراء يناقش أموال بمقدار نصف مليون دولار، في السابق كانت صلاحية الوزير ٥ مليون دولار ولا تُناقَش في مجلس الوزراء. اضطررنا لقلّة الإيرادات أن ننجز أكثر. أردنا للدينار العراقي أن يذهب مسافة أبعد، إذا ضاع لا يكفي المال..
هذا أتصوّر جزء من لغة الأرقام ولهذا كثير من المسؤولين لا يستطيعون أن يذكروا أمامي أرقام غير صحيحة، أنا من النوع الذي أحفظ وأحسب الأرقام بسرعة فيتفاجؤون، يحدّثني عن منجز ويعطيني أرقام أقول له هذه ليست أرقامك، هذه تساوي كذا.
الحمد لله أنا من حياتي كلها سواء في عملي الهندسي أو المهني أؤمن من اليوم الأول حين كنت تلميذاً في الهندسة وتعلّمت أنني كمهندس يجب أن أتعلّم كل شيء، أنا هندسة كهرباء لكنني تعلّمت البناء أيضاً، أعرف أن مشاريع الكهرباء تعتمد على البنية التحتية وعلى الهندسة الميكانيكية، شيء مترابط بشيء آخر، بناء بلد يعتمد على كل هذا، أنت تعرف التفاصيل كي تعرف أين المشكلة كي تفهمها، وإلا لا تفهمها وتعتبرها صندوق أسود.
نعم، أحذّر أن القادة الذين يغرقون بالتفاصيل سينسون الهدف والإستراتيجية. لهذا الأرقام لوحدها أنا معك تصبح بعيد عن الناس، لكن الأرقام تحتاج اليوم في مجتمع معتمد على التكنولوجيا، على موازنة معيّنة بدون أرقام ستضيع بالأموال بشكل كبير.
كمال خلف: دولة الرئيس اسمح لنا أن نتوقّف مع فاصل قصير ثمّ نعود بإذن الله.
مشاهدينا فاصل ونعود إن شاء الله، ابقوا معنا.
تحية من جديد مشاهدينا من هنا من بغداد في هذا الحوار الخاص الذي نستضيف فيه الدكتور حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء العراقي.
كمال خلف: دكتور الحملة على الفساد، اليوم الشارع العراقي يبدو فقد الصبر من هذه الآفة التي تضرب المجتمع، وحضرتك أعلنتَ عن نيّتك لضرب معاقل الفساد أو ضرب الفساد في البلاد. خضتم معركة صعبة أمام داعش وربّما هذه معركة صعبة أخرى، هل لديك تصوّر دكتور إذا ما كنتم في ولاية ثانية وشكّلتم حكومة جديدة بعد الإنتخابات ماذا ستفعلون حيال هذه المعضلة؟
حيدر العبادي: الفساد بجانبين، جانب حكومي وجانب ثقافي، الجانب الحكومي الذي هو الإجراءات والعقوبات، الجانب الثقافي له علاقة بثقافة المجتمع بشكل عام. الجانب الثاني ليس فقط مهمة حكومية إنّما مهمة مجتمع، مهمة الواعظين الدينيين، مهمّة مؤسسات مجتمع مدني، مهمّة كل مَن هو فاعل في المجتمع.
نفس المشكلة عندكم في لبنان أعرف ذلك. تتحوّل ثقافة أن الفساد عيب، الرجل ينبغي أن يخجل من زوجته إذا اتُهم بالفساد، لا يجوز أن تقول له زوجته الكل يأخذ إلا أنت لا تأخذ، هذا خلل بالثقافة. يجب ألا يتحمّل أمام أبناءه حيث يمدّ يده للمال العام، هذه ثقافة، حتى يصبح مانع ورادع.
الدولة يجب أن تتّخذ إجراءات لردع الفساد أيضاً. نحن اتّخذنا مجموعة إجراءات، كان تركيزي بصراحة على المؤسسة الإمنية لهذا طهّرناها بشكل كبير من عنصر الفساد لأن بدونها لا نستطيع أن نحقق شيء، كان الهدف ما هي الفائدة أن أُحارب فاسدين وداعش على أبواب بغداد وتمتدّ في المحافظات الجنوبية؟ كنت أريد المؤسسة الأمنية أن تمسك، أولاً تحقق إحترام المواطن، أن يكون فعلاً إنسان مضحّي ولا تمتدّ يده للمال العام ويحظى باحترام المواطن تحت احتلال داعش لأن هذا سيحرره، المواطن في تلك المناطق يتعامل ويكسب هذه القوات الأمنية والحمد لله نجحنا في ذلك، رأيتم في الموصل كيف رحّبوا بالقوات الأمنية؟ أهالي الأنبار كيف يرحّبون بالقوات الأمنية، الحديثة التي هي منطقة في الأنبار لم تسقط بيد داعش كانوا يتقاسمون الطعام مع القوات الأمنية وهي تتقاسم الطعام مع المواطنين، هذا النوع نحن ركّزنا عليه ولهذا خفّضنا المنسوب، الآن الرتبة العسكرية محترمة جداً في الشارع، جداً محترمة عند المواطنين في وقت أنا أعلم ضبّاط وقادة أخبروني قالوا في السيطرات نخلع الرتبة لأننا نتعرّض للإهانات أيام سقوط المحافظات ودخول داعش، الآن الرتبة العكسرية تُحترَم وتُعتبَر رمز للبلد وتوحيد البلد ورمز وطني، هذا ما حصل إذا حين قصصنا أجنحة الفساد وأردنا أن نعاقب بشدّة.
وقفت أمام خيار، بدأت بضرب الفساد في مسألة أسميتها الفساد المقنّن وهو الإمتيازات العليا للمسؤولين، كانت إمتيازات غير طبيعية، وكانت هناك قوانين خاصة للمسؤولية وقانون للمواطن. أنا كان رأيي حتى حين كنتُ في مجلس النواب قلت لهم هذا فساد مقنّن، كونه قانون لا يعني أنه سليم، هذا خطأ، مجلس النواب يشرّع لنفسه، كل هذا ألغيته، طبّقت نفس القانون ولهذا انخفضت الرواتب بدرجة كبيرة لمجلس النواب والوزراء ورئيس مجلس الوزراء، بعض المناصب الآن نزلت رواتبها الى ربع ما كانت عليه لأنها كانت رواتب عالية بشكل غير طبيعي.
الحمايات كانت أيضاً حمايات غير حقيقية، بمعنى يسمّونها حمايات… أنت لا تحتاج حماية محددة لحمايتك، هذا حقّ للمُهدَّد، يوجد حماية ما يناسب المقام أي لا علاقة لها بالحماية، شخص يحتاج حماية من ٤٠٠ أو ٥٠٠ شخص لماذا؟ ماذا يقوم بهم؟ خفّت الحماية بعض الأحيان الى ١٠٪ مما كانت عليه، لم أستثنِ أحد، هذه خلقت العداوة. تعرف مسؤولين ظلّوا متنفّذين في الدولة بشكل كامل، مواقع مرموقة، أحزاب متنفّذة في الدولة بدأت تضغط، نواب قالوها بالإعلام وليس أمامي، البرلمان كان صديق لي ومستند لي، بدأت مسألة التصادم حين رفعت الإمتيازات.
وصلت أمام طريق أن أكمل مشوار داعش بعد خطر كبير كنّا نقضي عليه. الجماعة بدؤوا يقولون لن نترك العبادي يكمّل تحرير الموصل وغير مناطق، قالوا ما الذي يخلّصنا منه بعد ذلك؟ ولهذا بصراحة من أجل مصلحة البلد علمت حين أحتكّ بهم سيجعلون الأمور كلها تنهار، فهم موجودون في البرلمان، أحزاب موجودة في السلطة، موجودون في البلد، حوّلت، لم أتوقّف عن محاربة الفساد، حوّلت محاربة الفساد الى منهجية في الدولة، بدأت تأسيس لوجود شباب متحمّسين درّبناهم وطلبت خبرات دولية، تعلم هذه العالم كله مبتلي بها وحتى العالم الغربي، الفساد من أصعب الجرائم التي لا تُكشَف، لم يترك أثر، يخفي الأموال، يترك غيره يقوم بالمهمّة وهو لا يبقى له لا توقيع ولا أثر، يستخدم واحد مسكين لا يفهم كيف تُدار الأمور وتقع في رأسه، تعرف أن القانون لا يحمي المغفّلين، تقع العقوبة به ويمضي في السجن وذاك يهرب.
بدأتنا بإجراءات تأسيس لمنهج لمحاربة الفساد، كيف أن في القضية الجنائية يوجد كشف جرائم القتل، قمنا بالأمر نفسه، بدأنا نتابع أموال الخارج، عندهم عقارات في الخارج ونحن لا قدرة لدينا، ليس لدينا شبكة لتتابع، استعنت بخبرات دولية لمساعدتنا ليس فقط بالعراق إنّما في الجانب الجنائي، والحمد لله نجحنا، لكن هذا العمل يتطلّب فترة ليبرز الى السطح.
كمال خلف: دولة الرئيس سيكون هذا أولوية إذا ما كنتَ في ولاية ثانية؟ أي إذا ما استمرّت الخكومة أو استمرّ المنهج سيكون هذا أولوية أم هناك أولويات أخرى؟
حيدر العبادي: أنا أعطيك تصريح، لن أكون في حكومة لا تعتبر محاربة الفساد أولوية رقم واحد، أقول لك لماذا، ربّما هناك أولوية أهمّ وهي إعمار البلد، جلب الإستثمارات، خلق فرص عمل، توفير خدمات للمواطنين، هذه أولوية، لكن بدون محاربة الفساد لن نستطيع تحقيق ذلك، كل دينار عراقي يذهب لما خُصّص له، لخلق فرص عمل، إستثمار وإعمار، أما إذا ذهب الى جيوب الفاسدين لن نحقق. إذاً يجب أن نحارب الفساد مع الإعمار والإستثمار يداً بيد، ونتّخذ إجراءات قاسية في ذها الإطار، وأتمنى الحكومة القادمة أن تكون أولويّتها هذه، سواء كنتُ أنا في الحكومة أو خارجها، أن تكون أولويتها محاربة الفساد فقط من أجل إعمار البلد وتوصيلي، أي لأصل للإعمار ويمنع التجاوز على المال العام.
أتصوّر نحن حققنا ضرر كبير بالفاسدين.
كمال خلف: اسمح لي أيضاً، مررتَ على نقطة تتعلق بكردستان، العلاقة بين المركز والإقليم ما هو تصوّركم لشكل العلاقة الدائمة والمستقرّة؟ أيضاً بالنسبة للقوات الإتّحادية المنتشرة في المناطق المشتركة أو المناطق المتنازَع عليها، هذا الإنتشار هو إنتشار دائم سيكون أم خاضع للتفاوض فيما بعد؟
حيدر العبادي: حتى داخل الإقليم عندنا قوّات اتّحادية في المطارات، حتى أجهزة إستخبارية عراقية إتّحادية موجودة في الإقليم، هذه ليست قهراً، المواطنون الأكراد مواطنون عراقيون ولا فرق لدينا بين مواطن وآخر، ونحن جداً حريصون، نحن نريد أن نوحّد البلد ليس بالقهر إنّما بالقرار، إذا كان المواطن الكردي لا يشعر أن هذا البلد بلده سيبقى بالعراق؟ فهو يشعر أن البلد بلده. أحد أعمدة هذا الموضوع أن نتعامل مع الجميع بنفس المستوى وتكون الأجهزة الإتّحادية موجودة في كل مكان.
نعم له خصوصيّته وأحترمها، وأنا أحترم خصوصية كل المواطنين، أحترم خصوصية أهل البصرة، أهل الأنبار، أهل بغداد، أهل محافظات الإقليم، أحترم كل هذه الخصوصية ونحن تعاملنا والحمد لله بشكل شفاف وبشكل منصف. لا أريد لكردي أن يُظلَم ولا لعربي أن يُظلَم، ولا أريد أن أحد من أتباع المذاهب أن يُظلَم لأنه يتبع هذا المذهب أو ذلك الدين أو تلك القومية، هذا منهجنا، نريد أن نحافظ على وحدة البلاد.
كلامي كان واضحاً مع الأخوة الكرد، أنتم جزء من هذا البلد ونستطيع أن عمل سوياً للبلد، مصلحتكم مصلحتنا تقتضي أن نكون معاً، التقسيم سيكون إضعف لنا جميعاً، العالم يتّجه نحو التوحّد وليس التقسيم. أكثر الدول التي فيها نظام فدرالي هي بلاد كانت متنازعة ومقسّمة، استراليا، أميركا، ألمانيا، كل الدول الإتّحادية كانت مقسّمة ثمّ اتّحدت فأصبحت اتّحاد، نحن في العراق دولة واحدة ندعو الى تقسيم البلد؟ مع ذلك نظامنا اتّحادي.
هذه الحكومة سياستنا هي اللامركزية الإدارية لهذا وقفت ضد كل الإتّجاهات التي تدعو للمركزية، يوجد مزاج شعبي نحو المركزية لكن رؤيتي أننا لا نستطيع أن ندير العراق بشكل سليم ويشترك كل المواطنون إلّا في اللامركزية الإدارية.
كمال خلف: هل هناك تخوّف دولة الرئيس، أو هاجس لديكم أن يتغيّر الوضع في إقليم كردستان على قاعدة تقديم تنازلات للكرد بغاية التحالفات وتشكيل حكومة؟ وأعتقد أن هذا كان يحصل في السابق.
حيدر العبادي: أنا شخصياً لن أكون جزء من هذا، أقول ذلك بصراحة، حذّرت باقي الكتل وحتى تكلّمت مع الأخوة في إقليم كردستان، قلت لهم هذا ليس حلاً، نعيد الكرّة من جديد ويبقى هذا الإقليم.. الكرد تعرّضوا كما باقي العراقيين لكن الكرد لأنهم غير عرب ومن قومية أخرى تعرّضوا الى شىء إضافي للإبادة ولاستخدام السلاح الكيميائي، نُقلوا بأعداد كبيرة الى الجنوب ويوجد مقابر جماعية، وقسم منهم شُتّت، هذا التعرّض لهم.. الكرد في العراق حققوا نجاحات كبيرة، في العراق لا حساسية لدينا الآن من وجود كردي في العراق بالعكس نعتبره جزء من تنوّعنا ونفتخر بهذا. أنا شخصياً نزلت في محافظات كردستان وذهبت ورأيت المواطنين في الشارع يرحّبون بي كرئيس مجلس وزراء عراقي رغم الحملة العنصرية، كما يوجد حملة طائفية عند البعض. ذه الحملة العنصرية رأيتها حتى عند الكرد وهي ضعيفة عند الموطانين.
أنا زرت في أربيل بيت ناس أكراد وابنهم قائد في الفرقة العاشرة في الجيش العراق استشهد في الأنبار، لم يطلبوا منّي الكثير، فقط لأن ابنهم قُتل في النبار دفاعاً عن العراق طلبوا منّي فقط أن منطقة أو شارع أو دوار في الأنبار يُسمّى باسمه حتى يبقى شيء، أن هذا عراق واحد وانظر هذا كردي من أربيل قاتل في الأنبار دفاعاً عن العراق ضد الدواعش. هذا نحن في العراق نريد أن نراه، وهذا دعوتنا للكرد، للعراقيين، للعرب أنه يجب أن نتعايش.
نعم، يوجد بقايا سابقة، فكرة داعش الذي يرفض الآخر، يحشّد ضد الآخر. أنا أستمع لرسائل جيّدة الآن من الإقليم، كتل سياسية تتكلّم كلام أننا لا خيار لدينا إلا أن نتعامل مع بغداد، بغداد عاصمتنا، وبدؤوا يرون أن التدرّع بالقومية ونحن ضد الآخرين بقوميّتنا لم يؤدِّ الى نتيجة، بالعكس، أدى الى مزيد من الفساد، تترّس أنت بقوميّتك حتى تمنع الآخرين أن يراقبوك ويحاسبوك على صرف الأموال.
نعم، يوجد محاولات الآن وأنا أحذّر الجميع هذا إنزلاق خطير الى الفترة التي سبقت دخول داعش، حصل إنهيار له أسباب وليس عفوي، لو تبحث في كل شيء صعود وإنهيار الأمم له أسباب، وهذا الإنهيار الذي حصل له أسباب، نعم، جزء منه خارجي، الحرب في سوريا توقّفت؟ الإرهاب موجود لكن كيف تمكّنا أن نحقق نصر؟ لأننا قضينا على الأسباب التي أدّت لإنهيارنا، لا أقول كلها إنّما بعض رواسبها، أتمنى أن تستوعب الكتل السياسية الدرس ولا يُعيدونا الى المربّع الأول، هذا كان لكل الكتل.
كمال خلف: دولة الرئيس أريد أن أُكمل في الأسئلة لكن لفت نظري مسألة وهي قيلَت لي بصراحة من بعض النخب السياسية هنا أنكم تتمتّعون بشعبية لدى السنّة أيضاً في العراق، أو لدى الشارع السنّي حالياً في العراق، وقائمتكم كانت قائمة عابرة للطوائف وربّما البعض حذا حذوكم في هذه المسألة، أقول ربّما، ولكن هل هذا مشروع بالنسبة لكم يتعلّق بإلغاء الطائفية، إلغاء الشحن الطائفي، إلغاء التقسيمات الطائفية، المحاصصة الطائفية، هل من مشروع مقبل بهذا الإتّجاه؟
حيدر العبادي: نحن لا خيار لدينا سوى هذا المشروع، هو مشروع نبدأ به من أنفسنا. أنا أؤمن وأعتقد أن الإنسان من حقه أن يعتنق أي شيء، الإنتماء القومي ليس بيدك فهو يأتي بالوراثة، قد تولَد عربي، كردي، تركماني، أي شيء آخر، إنّما العقيدة اختيارك، صحيح يولَد الدين وراثة لكن خياراتك تستطيع أن تغيّرها، لونك لا تستطيع تغييره لكن تستطيع أن تغيّر إنتماءك المذهبي والديني.
وأعتقد كل إنسان له الحرية أن يعتقد بما يشاء ومن حقّه أن يفتخر بما يعتقد به، لكن حين تكون في موقع بالدولة مسؤول عن ناس، أو أي موقع آخر لك مسؤولية به الله يضع في عنقك مسؤولية هؤلاء الناس، من الظلم والتجاوز على شرع الله وعلى دين الله أن تفرّق بين البشر على أساس إنتماء، أنت في موضع مسؤولية، نحن كما لا نقبل من الطبيب أن يأتي إليه واحد، إذا كان الطبيب مسيحي والمريض مسلم أن يقول له لا أعالجك لأنك على غير ديني، أو العكس، ما هو الطبيب؟ الطبيب يجب أن يتعامل بإنسانية أن يعالج كل الناس. كذلك لا نرضى من المهندس أن يقول لواحد على غير مذهبه لا أبني لك بيتك فأنت على غير مذهبي، لا نقبل منه، أنت أصبحت رجل عندك مهنة، المهني يجب أن يتعامل مع الناس على أساس المهنية. السياسي عليه مسؤولية رعاية الناس، السياسة في العرفي رعاية شؤون الناس، رعاية شؤون الناس كلهم، أنت مسؤول عنهم كلهم، إذا فرّقت بينهم فهذا مخالف للعدالة. سرنا في هذا، ولهذا لا يجوز حتى أن تميّز في داخلك بين هذا وذاك.
حتى يعملون معي من مختلف الإتّجاهات لا أشعر أن هناك فرق، بالنهاية أنا أعامل المقصّر سواء كان على ديني ومذهبي على أنه مقصّر ويُعاقَب، والناجح الذي يعمل وإن كان بدين آخر ومذهب آخر حتى لو كان من جهة سياسية مخالفة ومعارضة لي، أهتم به وأمدحه على هذا العمل وأشجّعه على العمل الذي أقوم به.
أتصوّر أن بهذا المنهج نؤسس للدولة العراقية.
أنا رأيت الأحزاب للأسف في ما يسمى بالمحاصصة، وموجودة المحاصصة في لبنان كذلك، المحاصصة يُعمَل بها الى مستوى مدير عام، بل أقل من مدير عام خلال فترة الثلاث سنوات ونصف التي أنا بها قضيت على المحاصصة في هذا المستوى، مستوى مسؤولي الدولة العراقية ما عدا الوزير، حتى الوزير بدأنا نغيّر، نأتي بتكنوقراط. هذه تجربة، لكن تعرف إختيار الحكومة في البرلمان وهي بالضرورة عملية إنتخابية، الإنتخاب لكتل سياسية، والبرلمان حتى يصوّت يجب أن يشارك عدد كافٍ من الكتلَ البرلمانية حتى تصوّت لك، موضوع الحكومة موضوع ثاني لكننا نطمح، طموحي للمرحلة القادمة إن وصلت لرئيس الوزراء أم لا هو أن تشكّل حكومة على أساس الكفاءات بغضّ النظر عن الإنتماء، لا مشكلة ربّما يكون حزبي لكنه كفوء في عمله، ليس فقط لأنه حزبي تحضره حتى لو غير كفوء، أو سواءً كان مستقلّ، هذا منحى يجب أن نبنيه في البلد، بدونه نعود الى المربّع الأول ولا نبني بلد. علينا مسؤولية أن نبني بلد.
كمال خلف: دولة الرئيس بدأتم غارات على داعش داخل الأراضي السورية، هل هذا الموضوع سوف يستمرّ؟ هل سيتطوّر ربّما لأكثر من غارات جوية؟ ما هو مستوى التنسيق بينكم وبين دمشق في هذا الأمر؟
حيدر العبادي: نعم، سيستمر، هدفنا أن نقضي على داعش في سوريا على الحدود العراقية السورية، وجودها خطر علينا بالتأكيد. حسب معلوماتنا الكثير منهم قيادات عراقية وهؤلاء يدرّبون الإنتحاريين لإرسالهم للعراق، حذّرنا دول أخرى، هم يحاولون أىضاً بطرق تهريب أن يرسلوهم الى دول أخرى، نحن سيطرنا على الحدود ولكن تعلم الحدود طويلة ٦٥٠ كيلومتر وهذا إرهابي عقائدي ولا يأتون بعدد كبير، لا يستطيع ولا قدرة لديه، لا قدرة أن يسيطر على الأرض في العراق، فيدخل وعنصر أو إثنان ويحاولون الإختراق، يبنون لهم بعض المضافات حتى يقومون بعمل داخل المدن، علينا أن نكشفهم ومتابعتهم. الضربات التي حصلت بناءً على معلومات، وصارت عندنا الصورة واضحة أين يتدرّبون وأين القيادات وضربنا ضربات موجعة جداً وأثّرت، بدأنا الآن نلمس هذا الأثر.
سنستمر الى أن نقضي على هذا الوجود في سوريا.
نعم، أخبرنا الحكومة السورية بالموضوع باعتبارها دولة جوار، أنا وضعت خطّ أحمر ألا نعبر الحدود ولا نتجاوز هذا الموضوع، لهذا عندما قضينا على داعش ووصلنا الحدود لم نقاتل عبر الحدود، ولكن عندما استمرّت داعش بالتسبب لنا بالتهديد لا نستطيع إعادة الماضي، داعش الآن كجرثومة في آخر مراحل حياتها إذا لم نقاومها ونقضي عليها تعود بشكل جديد، حتى المضاد للجراثيم لا يعود يؤثّر بها.
فالحكومة السورية قالوا ما ترونه أنتم نحن نوافق عليه، طبعاً هم يتمنّون أن يتمّ القضاء على داعش قالوا ما تقررونه نحن نوافق عليه، نحن لا نريد التدخّل بالصراع السوري بصراحة، غير واضح، هذا من حقّ الشعب السوري، نحن نساند الشعب السوري أن يقرر هو ما يختاره لكن نريد أن نساعد، نريد أن نوقف هذا الإقتتال في سوريا.
كمال خلف: الوضع مطمئن على الحدود؟
حيدر العبادي: الحمد لله جيد مُسيطَر عليه، اليوم أقرّ مجلس الوزراء ميزانية إضافية الى قوات الحدود تحتاج الى تكنولوجيا عاليا، ونحن مستمرون، في نفس الوقت ضروري أن نقضي على الدواعش في الجانب الثاني.
كمال خلف: في شباط الماضي كان مؤتمر المانحين في الكويت، هل حققتم من خلاله ما كنتم تطمحون إليه؟
حيدر العبادي: هذا يعتمد على ما هو الطموح. نحن بصراحة لم نكن ننظر الى حجم الأموال، نريد أن نرى حجم التفاعل الدولي معنا، وجدنا تفاعل هائل، شركات كبرى بحيث عدد الذين قدّموا أضعاف ما كان متوفّر، تقريباً ٧٠ دولة شاركت، شركات كبرى ووسطى وصغيرة شاركت، تجد أن هناك إهتمام، ترى هذا الإهتمام أن يأتوا للعراق، يعتبرون العراق بلد انتُشل لكنه عاد أقوى ومتوحّد أكثر من السابق ، عنده قدرات هائلة.
رئيس الوزراء الياباني قال نحن نفكّر الآن بنقل مراكز التدريب في الشرق الأوسط بعضها الى العراق، يرون العراق انطلاقة، الشركات اليابانية لا يتحدّثون أننا نريد أن نبيع بضاعة للعراق أو أجهزة للعراق، يقولون نريد أن ننشئ خطوط إنتاجية في العراق، يعرفون ما هو هدفنا وما الذي نسعى له. هذا إهتمام.
رأينا في الكويتي إهتمام هائل، إستعداد للإستثمار، نحن علينا واجب، وعلى الدول واجب، من واجدنا أن نغيّر كثيراً من قواعدنا وقوانيننا حتى تصبح بيئة صالحة ومشجّعة للإستثمار لخلق فرص عمل، وبدأنا بهذا العمل. شكّلنا لجنة عليا برئاسة رئيس الوزراء وهذه اللجنة العليا ترفع العقبات من طريق الإعمار والإستثمار والمشاريع الأساسية. تعرفون في أى بلد يوجد بيروقراطية وخصوصاً في العراق، البيروقراطية قاتلة تمنع وتعطّل مشروع مستشفى خمس سنوات على قضايا صغيرة وأمور أخرى. وهكذا المشاريع الأخرى، نحن علينا أن نزيل.
يوجد إهتمام أوروبي بالمنطقة، إتمام آسيوي في الإستثمار في العراق ومشاركة العراق في هذا الأمر، والكويت أرسلت رسالة قوية لنا أن أشقّاءنا في الوطن العربي وفي المنطقة هم معنا وحريصين أن يأتوا للعراق ويرون في العراق فرصة جديدة. وأيضاً المجتمع الدولي ورجال الأعمال في العالم يرون العراق فرصة مهمة وناجحة، وهذا أتصوّر أنه إنجاز كبير.
كمال خلف: دولة الرئيس أعرف وقتك ضيّق وسأختصر معظم الأسئلة، الأسئلة لا تنتهي، لكن يجب أن نتكلّم في الإنتخابات. طرحتم الأغلبية الوطنية وأيضاً آخرون طرحوا الأغلبية السياسية، أريد أن أسأل عن الفرق وما هو تصوّركم، أو كيف ستشكّلون الأغلبية الوطنية في المستقبل؟
حيدر العبادي: هناك منهجان، طبعاً نحن لماذا نحصر نفسنا في الأكثرية التوافقية أو الأكثرية السياسية؟ هذا موجود لكن هناك خيارات أخرى، ألوان متعددة، مرّة ترى أبيض وأسود، لماذا أحصر نفسي بين أبيض أو أسود؟ ممكن أن أخلط وأكون في الوسط وأصبح شيء جديد.
أنا أقول التوافقية أثبتت فشلها، التوافقية للمشكلة نزلت الى شىء خاطئ وهو التوافق بمعنى المصالح، الأحزاب كانت تريد أن تحقق مصالحها وتوقف العمل في كل البلد لتحقيق مصالحها وليس مصالح الجميع، هذا خطير وخطأ وانزلق. ولهذا نرفضه بالكامل.
هناك محاول جديدة وهي الأكثرية السياسية. الآن في محاولة لاحتكار السلطة وإبعاد آخرين عن السلطة، هذا خطير الآن، نحن لتوّنا خرجنا من معركة وجودية مع داعش والآن في معركة جديدة لإعمار البلد، المواطنون يشتركون به جميعاً، أنا ألجأ الى احتكار سلطة وإبعاد آخرين عنها هكذا إقصاء هذا أيضاً خاطئ وسينقصنا ولن يزيدنا. ولهذا نبحث عن شىء آخر، مقتنعون، يوجد مقتنعون ولكن هناك ثوابت، عندي ثوابت وطنية وعندي مشروع ليس المهم أن أحكم وأصبح رئيس مجلس وزراء، هذا المشروع الذي نتوافق عليه سنسير به، هذا المشروع نتوافق بشكل محاصصة لا يكون، محاصصة مناصب غير موجودة، يجب أن نتوافق كلنا، لجان إقتصادية وكتل سياسية تُلغى. يتحدّثون عن تمويل لنتكلّم سوياً، نعم، الأحزاب تحتاج الى تمويل داخلي بعيداً عن التأثيرات الخارجية، بعيد عن مد اليد للمال العام، دول غربية كلها موجودة في هذا الإطار، لننشئ إطار جديد بشكل شفاف وواضح ولا يكون تحت الطاولة.
نستطيع التعاون لكن لنمنع لجان إقتصادية لأحزاب أن تمتص ثروة الدولة ومشاريعها، لنبتعد عن هذا، لنتواصل ولا تزعل مني إن ضربتك حين تقوم بهذا، فهذا يصبح عرف وهذا العُرف كلنا نعتقد به، أن يكون التجاوز على أملاك الدولة ممنوع.
الأمر الآخر لنضع أهداف لنا جزء منها قريب. مشروع بناء منازل مليون وحدة سكنية، ممكن أن نحققه ويحتاج من الدولة أن تقدّم تسهيلات لكن إذا ابتعدنا عن الفساد، يوجد الكثير من المستثمرين العراقيين، مستثمرين من خارج العراق مستعدون، العراق بحاجة ماسّة لوحدات سكنية، نستطيع أن ننشئ نظام مصرفي سليم حتى نقسّط هذه الوحدات وهذا سيخلق عندنا فرص عمل هائلة، سيُحسّن مستوى معيشة المواطنين في وحدات أفضل، ستحفّز الإقتصاد وسيكون هناك ثروة جديدة للإقتصاد، يحسّن البيئة بشكل عام في البلد، بالإضافة الى بناء وحدات مدارس أيضاً بنفس الإتّجاه.
ممكن ضمن مشارع إستثمار أن نبني وحدات وعندنا رؤية بها، نستطيع كل فصل، مثلاً النهوض بالزراعة مع قلّة المياه، تعرفون المياه بشكل عام في كل المنطقة الدولة تبني السدود، نحن في العراق عندنا رافدين أساسيين هما دجلة والفرات، على مرّ القرون وآلاف السنين العراق يغرق بالأنهار، العراق معروف حضرات كامنة دُفنَت بسبب الغرق، الآن عادوا ويحفرون ويجدون حضارات كاملة مغمورة بالفيضانات. الآن لم يحصل فيضان منذ سنوات طويلة لأن الأنهار ضعفَت وبدأت الدول تبني سدود، دول الجوار العراقي وأصبحت المياه أقلّ. لكن هل نتراجع بالزراعة؟ لا، يجب أن نتوصّل لطرق أخرى للريّ، نحن تعلّمنا بآلاف السنوات طريقة السيح في الري لأن المياه كثيرة عندنا، الآن المياه حين قلّت يوجد طرق أخرى وممكن الإستفادة، ويمكن أن يكفينا حتى على قلّته، وهذا نستطيع أن نتّفق عليه، هذه لنجعل بها توافقية، توافية لكيف ننهض بالبلد وممكن خلال فترة قياسية، أقول لكل الساسة تصبحون كلكم محبوبين وكلكم شعبيين إذا تعاونتم، أمّا في هذه الطريقة فعلاً الناس تقول عنكم لصوص.
كمال خلف: دكتور كل ما ذكرته، كلام المرجعية الجمعة الماضية يدعم هذا البرنامج الذي تتحدّثون به؟
حيدر العبادي: نعم، مع ملاحظة المرجعية حريصة ألا تدخل في الصراعات السياسية، بالنهاية هي مرجعية دينية تعطي نصائح ومواعظ، وهذا الكلام أظنّ أنه واضح، لكن أظنّ أن لكل ذي بصيرة ولكل أذنٍ وعي إذا يفهم الكلام، واضح الكلام.
كمال خلف: أي المستشارون، طبعاً الله أعلم ماذا سيفعلون بي اليوم، سوف أشكرك دكتور حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء العراقي على هذا اللقاء، شكراً جزيلاً لك ونتمنّى لك التوفيق أيضاً في الإنتخابات المقبلة إن شاء الله.
حيدر العبادي: شكراً لك، وأنا أشكرك أيضاً على طريقة الإدارة.
كمال خلف: شكراً جزيلاً.
مشاهدينا هذا الحوار الخاص انتهى، شكراً للمتابعة، لكم تحياتي، تحيات فريق الميادين المتواجد هنا في بغداد والى اللقاء.


























Comments